ابن كثير

134

البداية والنهاية

يا بن الفاعلة ! مثلك يهزم الجيوش ؟ فقال الخارجي : ويلك سوأة لك بيني وبينك أمس السيف والقتل واليوم القذف والسب ، وما يؤمنك أن أرد عليك وقد يئست من الحياة فما أستقبلها أبدا . قال فاستحيى منه المنصور وأطلقه . فما رأى له وجها إلى الحول . وقال لابنه لما ولاه العهد : يا بني ائتدم النعمة بالشكر ، والقدرة بالعفو ، والنصر بالتواضع ، والتألف بالطاعة ، ولا تنس نصيبك من الدنيا ونصيبك من رحمة الله . وقال أيضا : يا بني ليس العاقل من يحتال للامر الذي وقع فيه حتى يخرج منه ، ولكن العاقل الذي يحتال للامر الذي غشيه حتى لا يقع فيه . وقال المنصور : يا بني لا تجلس مجلسا إلا وعندك من أهل الحديث من يحدثك ، فإن الزهري قال : علم الحديث ذكر لا يحبه إلا ذكران الرجال ، ولا يكرهه إلا مؤنثوهم ، وصدق أخو زهرة . وقد كان المنصور في شبيبته يطلب العلم من مظانه والحديث والفقه فنال جانبا جيدا وطرفا صالحا ، وقد قيل له يوما : يا أمير المؤمنين هل بقي شئ من اللذات لم تنله ؟ قال : شئ واحد ، قالوا : وما هو ؟ قال : قول المحدث للشيخ من ذكرت رحمك الله . فاجتمع وزراؤه وكتابه وجلسوا حوله وقالوا : ليمل علينا أمير المؤمنين شيئا من الحديث ، فقال : لستم بهم ، إنما هم الدنسة ثيابهم ، المشققة أرجلهم ، الطويلة شعورهم ، رواد الآفاق وقطاع المسافات ، تارة بالعراق وتارة بالحجاز ، وتارة بالشام ، وتارة باليمن . فهؤلاء نقلة الحديث . وقال يوما لابنه المهدي : كم عندك من دابة ؟ فقال لا أدري . فقال : هذا هو التقصير ، فأنت لأمر الخلافة أشد تضييعا فاتق الله يا بني . وقالت خالصة إحدى حظيات المهدي : دخلت يوما على المنصور وهو يشتكي ضرسه ويداه على صدغيه فقال لي : كم عندك من المال يا خالصة ؟ فقلت ألف درهم . فقال : ضعي يدك على رأسي واحلفي ، فقلت : عندي عشرة آلاف دينار . قال : اذهبي فاحمليها إلي . قالت : فذهبت حتى دخلت على سيدي المهدي وهو مع زوجته الخيزران فشكوت ذلك إليه فوكزني برجله وقال : ويحك ! إنه ليس له وجع ولكني سألته بالأمس مالا فتمارض ، وإنه لا يسعك إلا ما أمرك به . فذهبت إليه خالصة ومعها عشرة آلاف دينار ، فاستدعى بالمهدي فقال له : تشكو الحاجة وهذا كله عند خالصة ؟ وقال المنصور لخازنه : إذا علمت بمجئ المهدي فائتني بخلقان الثياب قبل أن يجئ ، فجاء بها فوضعها بين يديه ودخل المهدي والمنصور يقلبها ، فجعل المهدي يضحك ، فقال : يا بني من ليس له خلق ليس له جديد ، وقد حضر الشتاء فنحتاج نعين العيال والولد . فقال المهدي : علي كسوة أمير المؤمنين وعياله ، فقال : دونك فافعل . وذكر ابن جرير عن الهيثم : أن المنصور أطلق في يوم واحد لبعض أعمامه ألف ألف درهم وفي هذا اليوم فرق في بيته عشرة آلاف درهم ، ولا يعلم خليفة فرق مثل هذا في يوم واحد . وقرأ بعض الفراء عند المنصور ( الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ) [ النساء : 37 ] فقال : والله لولا أن المال حصن للسلطان ودعامة للدين والدنيا وعزهما ما بت ليلة واحدة وأنا أحرز منه دينارا ولا درهما لما